بعد ست سنوات من الهجوم الكيميائي المروع الذي هز مدينة دوما في ريف دمشق يوم 7 نيسان/أبريل 2018، أصدرت منظمة العفو الدولية (Amnesty International) تحقيقاً موسعاً بالتعاون مع صحيفة “لا كرونيك” (La Chronique) و”مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا (CVDCS)”، التحقيق الذي حمل عنوان “عملية الكذب”، يكشف تفاصيل غير مسبوقة حول حملة تضليل منهجية ومخطط لها بعناية هدفت إلى طمس حقيقة الهجوم الكيميائي، وتوجيه الاتهامات زوراً إلى المعارضة السورية، مع تورط واضح لمسؤولين كبار في نظام بشار الأسد وضباط روس في هذه العملية التي وصفها التقرير بأنها “محاولة فبركة شاملة”.
الهجوم الكيميائي على دوما
في مساء السابع من نيسان / أبريل 2018، تعرضت مدينة دوما، التي كانت آنذاك تحت سيطرة فصيل جيش الإسلام المعارض، لهجوم بغاز الكلور أودى بحياة 43 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، اختناقاً.
التحقيق يروي شهادات مؤلمة من ناجين، مثل خالد نصير (32 عاماً)، الذي فقد زوجته فاطمة، الحامل في شهرها الثامن، وطفلتيه نور وقمر. يصف خالد لحظات الرعب: “كنا مختبئين في قبو المبنى بسبب القصف المستمر، فجأة، سمعنا صوت انفجار، ثم صراخ: ‘كيميائي! سلاح كيميائي!'”، في حالة الذعر، حاول السكان الهرب إلى الطوابق العليا، لكن الغاز حاصرهم في الدرج، مما جعل الهروب “فخاً مميتاً”، خالد فقد وعيه، واستيقظ لاحقاً في المستشفى ليجد أن عائلته قد لقيت حتفها.
عملية التضليل.. إكراه الشهود وتزييف الحقائق
بعد الهجوم مباشرة، بدأت آلة النظام السوري في العمل على طمس الحقيقة. يروي الدكتور حسان عيون، طبيب طوارئ في مستشفى دوما، كيف تعامل مع عشرات المصابين بأعراض التسمم الكيميائي. ولكن سرعان ما تغير كل شيء بعد استعادة النظام السيطرة على دوما بدعم روسي. أُجبر الدكتور عيون وآخرون ممن ظهروا في مقاطع الفيديو التي توثق الهجوم، على البقاء في دوما ومنعوا من المغادرة. تعرضوا للاعتقال في فرع الخطيب (251) بدمشق، المعروف بأساليب التعذيب الوحشية، هناك، تحت تهديد السلاح والوعيد بالتعذيب أو القتل في سجون مثل صيدنايا، أُمروا بنفي وقوع أي هجوم كيميائي والإدلاء بشهادات مزورة أمام الكاميرات.
كما تم استدعاء أطباء وممرضين من مستشفى دوما إلى مقر الأمن القومي، حيث أُملي عليهم سيناريو موحد: إنكار “القصف الجوي” و”الغاز”، والادعاء بأن ما حدث كان مجرد “غبار” تسبب بمشاكل تنفسية، وبثت هذه الشهادات الكاذبة لاحقاً على قناة الإخبارية السورية الرسمية.

التدخل الروسي.. نقل الأكذوبة إلى الساحة الدولية
لم تقتصر عملية التضليل على الداخل السوري، بل امتدت لتشمل الساحة الدولية بتنسيق روسي مباشر، تم نقل 17 شاهداً سورياً، بينهم أطباء والطفل حسن دياب (11 عاماً آنذاك) الذي ظهر في فيديو الخوذ البيضاء وهو يتلقى الإسعافات، إلى موسكو.
في وزارة الدفاع الروسية، وبحضور مترجم الرئيس بوتين الشخصي، تم “تدريب” الشهود على الرواية التي سيقدمونها.
أُمر الشهود بنفي رؤية أي أعراض لهجوم كيميائي، والادعاء بأن الفيديو مفبرك، لاحقاً، في 26 أبريل 2018، نُقل الشهود إلى لاهاي، مقر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية(OPCW) ، حيث عقدت روسيا مؤتمراً صحفياً وقدم الطفل حسن دياب شهادة كاذبة قال فيها إنه لم يكن مصاباً وأن الخوذ البيضاء عرضوا عليه الطعام مقابل المشاركة في التصوير.
كما قرأ الدكتور حسان عيون بياناً مكتوباً ينفي وقوع وفيات أو أعراض تنفسية غير اعتيادية، اليوم، يكشف حسن دياب البالغ من العمر 17 عاماً، أنه عانى بالفعل من صعوبات تنفس حادة وتقيؤ بعد الهجوم، واضطر لاستخدام جهاز الاستنشاق وترك المدرسة بسبب ضيق التنفس المزمن.
طمس الأدلة وإعاقة التحقيق الدولي
بالتزامن مع ترهيب الشهود، عمل النظام السوري على إزالة الأدلة المادية للهجوم، إذ أفاد شهود عيان بأن السلطات السورية قامت بنبش القبور الجماعية التي دُفن فيها ضحايا الهجوم الكيميائي ونقلت الجثث إلى جهة مجهولة، وذلك قبل وصول محققي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ويشتبه مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا (CVDCS) بأن الهدف كان إخفاء الجثث الملوثة بالكلور عن الفحوصات الطبية الشرعية، كما تم عرقلة وصول فريق الأمم المتحدة إلى موقع الهجوم بإطلاق نار مفتعل لإيهام المحققين بأن المنطقة غير آمنة.

تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)
في يناير 2023، أصدرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقريرها النهائي الذي خلص إلى أن مروحية تابعة لسلاح الجو السوري، تعمل تحت قيادة قوات النمر، ألقت أسطوانتي غاز كلور على مبانٍ سكنية في دوما.
أدى هذا التقرير إلى حالة من الذعر في دمشق، حيث استدعت الأجهزة الأمنية الأطباء مجدداً وأمرتهم بتبني رواية جديدة مفادها أن جيش الإسلام هو من نفذ الهجوم.
التورط الروسي: أعمق من مجرد تضليل؟
يشير التحقيق إلى أن الدور الروسي قد يتجاوز مجرد المساعدة في التغطية على الجريمة، فقوات “النمر” السورية، التي نفذت الهجوم بقيادة سهيل الحسن الملقب بـ”النمر”، تم تشكيلها وتدريبها وتجهيزها والإشراف عليها من قبل ضباط روس.
ويؤكد خبراء أن هذه القوات كانت تستجيب لأوامر موسكو أكثر من دمشق، والأخطر من ذلك، يكشف تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن وجود عسكريين روس في قاعدة الضمير الجوية لحظة إقلاع المروحية التي نفذت الهجوم.
بعد سقوط الأسد.. التهديدات مستمرة للشهود
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، تنفس الشهود الصعداء وأصبحوا أكثر قدرة على كشف الحقيقة، لكن التهديد لم يزل بالكامل، حيث تلقى بعض الشهود تهديدات، ليس للدفاع عن النظام البائد، بل لحماية موسكو.
يروي الدكتور حسان عيون كيف تلقى اتصالاً من مجهول يُعرف نفسه بأنه ضابط سوري من اللاذقية (التي تضم قاعدة عسكرية روسية)، يحذره من الحديث عن روسيا.
كما تعرض شاهد آخر لزيارة من ثلاثة رجال زعموا أنهم صحفيون من قناة “رابتلي” التابعة للكرملين، وأصروا على إجراء مقابلة حول دوما، وهو ما رفضه الشاهد مدركاً أنها محاولة للإيقاع به، وأكدت وزارة الإعلام السورية لاحقاً عدم منح أي تأشيرات صحفية لقناة “رابتلي” في تلك الفترة.
دور مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا (CVDCS)
يلعب مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا (CVDCS)، وهو منظمة غير حكومية مستقلة مسجلة في بلجيكا، دوراً حاسماً في توثيق الهجمات الكيميائية في سوريا منذ عام 2012.
يهدف المركز إلى إثبات الحقائق، تحقيق العدالة للضحايا، ومنع انتشار استخدام هذه الأسلحة المحظورة. يعتمد المركز على شبكة من الخبراء والناجين والشهود، ويجمع الأدلة لدعم تحقيقات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة والمحاكم الدولية.
وفي قضية دوما، ساهم المركز في تحديد شهود رئيسيين وإسماع أصواتهم. ويدعو المركز حالياً إلى حماية هؤلاء الشهود ومطالبة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإضافة شهاداتهم إلى تقرير دوما.
دعوة إلى العدالة
في ضوء هذه النتائج الخطيرة وتجربة الشهود المروعة، يطالب مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا (CVDCS) منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بـ”إعادة فتح التحقيق في الحادثة والاستماع مجدداً إلى الشهود” الذين لم يتمكنوا من الإدلاء بشهاداتهم بحرية وصدق في السابق بسبب التهديدات.
كما يدعو المركز الحكومة الجديدة في سوريا إلى “توفير الحماية اللازمة لأولئك الشهود وذوي الضحايا”، لضمان سلامتهم وتمكينهم من قول الحقيقة دون خوف من الانتقام. ويؤكد التقرير أن هذه الأدلة الجديدة تُسلط الضوء على ضرورة مواصلة جهود تحقيق العدالة لضحايا الهجوم الكيميائي في دوما، ووضع حد لإفلات الجناة من العقاب، وتقديم المسؤولين عن هذه الجريمة وأعمال التستر إلى العدالة الدولية.
الأسلحة الكيميائية دوما سوريا منظمة العفو الدولية

