لماذا لا ينتهي ملف الأسلحة الكيميائية السورية بسقوط الأسد؟

طُويت في دمشق، مع نهاية عام 2024، صفحة عقود طويلة من حكم عائلة الأسد، وتغيّر معها المشهد السياسي السوري بصورة جذرية. 

ورغم أن هذا التحول التاريخي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، فإن إرث الماضي لا يزال يفرض نفسه بقوة على أجندة المجتمع الدولي، وفي مقدمتها ملف استخدام الأسلحة الكيميائية.

وخلافاً للاعتقاد الشائع بأن هذا الملف بات في مراحله الأخيرة، تؤكد المعطيات الحقوقية أن العمل الحقيقي على المستوى الجنائي لم يبدأ بشكل مكتمل بعد، وأن كثيراً من ملفات الجرائم ما زالت مفتوحة بانتظار استكمال التحقيقات.

خريطة الهجمات

على مدار السنوات الماضية، انصبّ الاهتمام الدولي على عدد من الهجمات البارزة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، من بينها هجوم الغوطة الشرقية عام 2013، وخان شيخون عام 2017، ودوما عام 2018. إلا أن بيانات مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا (CVDCS) تشير إلى أن البلاد شهدت ما لا يقل عن 262 هجوماً كيميائياً بين عامي 2012 و2019، نُسبت غالبيتها إلى النظام السوري السابق.

ورغم حجم هذه الانتهاكات، فإن العديد من هذه الحوادث لم يخضع حتى اليوم لتحقيقات جنائية مكتملة ومستقلة، نتيجة تعقيدات الحرب، والعرقلة السياسية، وصعوبة وصول فرق التحقيق الدولية إلى مواقع الهجمات في الوقت المناسب لجمع الأدلة وحمايتها.

وتشير البيانات نفسها إلى أن أكثر من ثلثي هذه الهجمات لا تزال مصنفة كملفات مفتوحة، لم تُستكمل بشأنها التحقيقات النهائية من قبل الآليات الدولية المختصة.

عوائق الماضي وفرص الحاضر

شكّلت الحماية الدبلوماسية داخل مجلس الأمن، إلى جانب القبضة الأمنية المحكمة للنظام السابق على الأرض، عائقاً رئيسياً أمام كشف البنية الكاملة لبرنامج الأسلحة الكيميائية في سوريا، وتوثيق سلسلة القيادة والمسؤولية بشكل دقيق.

أما اليوم، ومع تغيّر الواقع السياسي والأمني، تبرز فرصة غير مسبوقة لإعادة فتح هذا الملف من جذوره، عبر الوصول إلى:

  • الوثائق والمراسلات السرية المرتبطة بالبرامج البحثية والأجهزة الأمنية المعنية بالتنفيذ
  • مواقع يُشتبه بأنها تضم أدلة جنائية وبيولوجية ما زالت محفوظة نسبياً
  • شهادات شهود ومنفذين سابقين باتوا أكثر قدرة على الإدلاء بإفاداتهم بعيداً عن الضغوط والتهديد

المقاربة الحقوقية.. الجرائم لا تسقط بالتقادم

من منظور القانون الدولي، لا يؤدي زوال النظام السياسي إلى إغلاق ملفات المساءلة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والتي تخضع لمبدأ عدم التقادم.

وعليه، فإن المرحلة الراهنة لا تتطلب فقط تفعيل المسارات القانونية القائمة، بل تستدعي أيضاً إطلاق استراتيجية تحقيق جنائي شاملة لجميع الهجمات الكيميائية دون استثناء، بهدف تحديد كامل لسلسلة القيادة، من صناع القرار إلى المنفذين.

موقف حقوقي ثابت

وفي هذا السياق، يؤكد مدير مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا، نضال شيخاني، أن سقوط النظام السابق لا يعني بأي حال من الأحوال سقوط الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، ولا يُعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية والأخلاقية.

ويشدد شيخاني على أن استكمال التحقيقات الجنائية في جميع الهجمات الكيميائية ليس مجرد عملية توثيق تاريخي، بل هو واجب قانوني أساسي لضمان محاسبة المسؤولين، ومنع الإفلات من العقاب، وإنصاف الضحايا وفقاً لقواعد القانون الدولي.

Scroll to Top