الحرب السامة في سوريا: الأسلحة الكيميائية تقوض الردع ومنع الانتشار

Image source: needpix

تعتبر الأسلحة الكيميائية في بعض الأحيان العنصر “الأصغر” في ثلاثي أسلحة الدمار الشامل، وقد أدى الرعب من هذه الأسلحة لإنشاء بنية دولية من القوانين والمعاهدات والاتفاقيات والأعراف، لمنع تصنيعها وانتشارها واستخدامها.

عشوائية الأسلحة الكيميائية بشكل خاص تؤثر على كافة الشرائح بما فيهم المدنيون والفئات الأكثر ضعفاً، كما أن آثارها المؤلمة مرعبة وقد تدوم لفترات طويلة.

لقد أدرك العالم هذه الحقائق المأساوية مرة أخرى في آب / آغسطس 2013، عندما أدى هجوم كبير بالأسلحة الكيميائية على الغوطة الشرقية في دمشق، لمقتل أكثر من 1300 شخص، بما في ذلك أكثر من 400 طفل، باستخدام غاز الأعصاب السارين.

هذا الهجوم تجاوز “الخط الأحمر” ضد استخدام الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما في آب / آغسطس 2012، وقد وضع الولايات المتحدة على شفا تدخل عسكري واسع النطاق في سوريا ودفع إلى الإطار الذي تفاوضت عليه الولايات المتحدة وروسيا.

ونتج عن هذا الخط الأحمر، إزالة وتدمير برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، وفي ذلك الوقت كنت (ريبيكا هيرسمان) نائباً لمساعد وزير الدفاع لمكافحة أسلحة الدمار الشامل في البنتاغون، وشاركت، إلى جانب العديد من زملائي في مختلف الوكالات والعالم، بشكل وثيق في فترة تنفيذه هذه الاتفاقية، إضافة للفترة التي سبقتها.

هذه الجهود أدت في النهاية إلى القضاء على الغالبية العظمى من أحد أكبر برامج الأسلحة الكيميائية النشطة المعروفة في العالم، وهو البرنامج الذي شمل أكثر من 23 موقعاً منتشراً في منطقة تشهد حرب نشطة.

وشمل ذلك إزالة أكثر من 1200 طن متري من المواد الكيميائية والسلائف الخطرة وتدميرها بشكل آمن، ولسوء الحظ، فإن هذا الإنجاز لم يضع حداً لاستخدام الأسلحة الكيميائية في الصراع. 

استمر استخدام المواد الكيميائية، بما في ذلك الكلورين، كأسلحة حرب في سوريا طيلة عام 2014، حتى أثناء استمرار عملية إزالة مواد الأسلحة الكيميائية التي تستخدمها الحكومة السورية، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث يضعف الاستخدام المستمر لهذا السلاح، أي شعور بالإنجاز لدى أولئك الذين عملوا جنبًا إلى جنب، مع الشركاء الدوليين.

واليوم، لم يعد استخدام الأسلحة الكيميائية يقتصر على نظام يرهب مواطنيه، بل أدى الصعود الدراماتيكي لـ (داعش) وغيره من المتطرفين، إلى دفع سوريا والعراق إلى مرجل من العنف وعدم الاستقرار، وزيادة تهديدات الأسلحة الكيميائية.

في شباط / فبراير 2016، أكد مدير المخابرات الوطنية جيمس كلابر أن داعش استخدم الأسلحة الكيميائية، من بينها غاز الكلور والخردل، وخلال الشهر الماضي، ظهرت تقارير عن هجمات إضافية في العراق أدت إلى إصابة أكثر من 600 شخص.

الجمعية الطبية السورية الأمريكية (SAMS) أصدرت في آذار / مارس، تقريراً يصف بالتفصيل الخسائر الفادحة التي لحقت بالسكان السوريين ومقدمي الرعاية الصحية: 161 هجومًا كيميائياً راح ضحيتها 14581 ضحية وما لا يقل عن 1491 حالة وفاة منذ عام 2012.

لقد بُذلت جهود لتحديد هوية هذه الهجمات وضمان تحسين المساءلة، لكن بطء الوتيرة وغياب الاهتمام الدولي لم يفعلا الكثير لتحفيز هذه العملية، أنشأت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) والأمم المتحدة آلية تحقيق مشتركة مدتها عام واحد (JIM) لتحديد الجهات الفاعلة التي ترتكب أو تنظم أو ترعا استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. 

آلية التحقيق المشتركة قامت بمراجعة البيانات الواردة من مهمتها الأولية لتقصي الحقائق وحددت سبع حالات محتملة لمزيد من التحقيق، وشنت الولايات المتحدة غارات جوية ضد أهداف مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية لتنظيم داعش بناءً على معلومات استخباراتية ومعلومات من أحد عناصر داعش الذي تم أسره والذي قيل إنه كان لاعباً رئيسياً في برنامج الأسلحة الكيميائية للجماعة.

وهذه خطوات كبيرة، لكنها غير كافية لوقف الاستخدام المستمر للأسلحة الكيميائية.

ومن خلال الدعم، يمكن لآلية التحقيق المشتركة أن تتخذ خطوات حيوية نحو الإسناد والمساءلة، وفي نهاية المطاف نحو العدالة. إذا تمكنت آلية التحقيق المشتركة من الوصول إلى المرضى وشهود العيان والعينات البيئية والبيولوجية ومخلفات الذخائر، فيمكن الإجابة على العديد من الأسئلة. 

وهذه خطوة صغيرة نسبيًا ولكنها ضرورية إذا أردنا أن يكون لدينا أي أمل في منع عودة ظهور الأسلحة الكيميائية كأدوات روتينية للحرب، ولكن لا تزال هناك تحديات كثيرة.

من بين 161 هجوماً كيميائياً موثقاً منذ عام 2012، وقع 77% منها بعد صدور قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2118، الذي نص على وقف استخدام الأسلحة الكيميائية السورية والقضاء عليها، إن التقاعس عن التصدي للانتهاكات يضر بمصداقية هذا القرار وغيره من القرارات، بالإضافة إلى ذلك، فقد قللت الولايات المتحدة من مصداقيتها في مواجهة الانتشار الصارخ للأسلحة المحظورة واستخدامها، مما يدعو إلى التشكيك في قيمة الردع.

إن الجهود الرامية إلى تدمير قدرات أسلحة الدمار الشامل سوف تتلاشى إذا ما توفرت الرغبة في تطوير واستخدام هذه الأسلحة، ولا يمكن فصل مكافحة أسلحة الدمار الشامل عن السعي إلى تحقيق المساءلة والعدالة، الأمر الذي يخدم الغرض المزدوج المتمثل في توفير صوت للضحايا وتقييد الجناة المحتملين، إن العدالة والقانون يقعان في قلب نظام منع الانتشار وفي قلب الردع، لكنهما لن يكونا فعالين إلا إذا تمت متابعتهما.

فهل يؤدي استخدام هذه الأسلحة إلى المزيد من الاستخدام والانتشار ــ ليس فقط الأسلحة الكيميائية بل وأيضاً الأسلحة الأكثر فتكاً ــ أم أنه سيحفز المجتمع الدولي على تعزيز عزمه على منع الانتشار ومحاسبة أولئك الذين يستخدمون هذه الأسلحة؟

ريبيكا هيرسمان

WAR ON THE ROCKSالمصدر 

Scroll to Top